الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
12
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يريد لا منار فيه . وقول ابن أحمر : لا تفزع الأرنب أهوالها * ولا ترى الضبّ بها ينجحر أراد : أنها لا أرنب فيها ولا ضب . فهو من قبيل التلميح . ذكر في هذه الآية من أقوالهم المقابلة للجمل الموصوف بها اللّه تعالى اهتماما بإبطال كفرهم المتعلق بصفات اللّه لأن ذلك أصل الكفر ومادته . واعلم أن معنى : وَهُمْ يُخْلَقُونَ وهم يصنعون ، أي يصنعهم الصانعون لأن أصنامهم كلها حجارة منحوتة فقد قومتها الصنعة ، فأطلق الخلق على التشكيل والنحت من فعل الناس ، وإن كان الخلق شاع في الإيجاد بعد العدم ؛ إما اعتبارا بأصل مادة الخلق وهو تقدير مقدار الجلد قبل فريه كما قال زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبع * ض الناس يخلق ثم لا يفري فأطلق الخلق على النحت ؛ إما على سبيل المجاز المرسل ، وإما مشاكلة لقوله : لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً . والملك في قوله : لا يَمْلِكُونَ مستعمل في معنى القدرة والاستطاعة كما تقدم في قوله تعالى : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ في سورة العقود [ 17 ] ، وقوله فيها : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً [ المائدة : 76 ] ، أي من لا يقدر على ضركم ولا نفعكم . فقوله هنا : لِأَنْفُسِهِمْ متعلق ب يَمْلِكُونَ ، واللام فيه لام التعليل ، أي لا يملكون لأجل أنفسهم ، أي لفائدتها . ثم إن المراد بأنفسهم يجوز أن يكون الجمع فيه باعتبار التوزيع على الآحاد المفادة بضمير يَمْلِكُونَ ، أي لا يملك كل واحد لنفسه ضرا ولا نفعا ، ويكون المراد بالضر دفعه على تقدير مضاف دل عليه المقام لأن الشخص لا يتعلق غرضه بضر نفسه حتى يقرع بأنه عاجز عن ضر نفسه . وتنكير مَوْتاً - و - حَياةً في سياق النفي للعموم ، أي موت أحد من الناس ولا حياته . والنشور : الإحياء بعد الموت . وأصله نشر الشيء المطوي . [ 4 ] [ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 4 ] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً ( 4 )